الثلاثاء، ديسمبر 29، 2015

إحياء الحركة الإسلامية المعاصرة "مفاهيم وتطبيقات" (3/ 5)

الباب الأول :  التربية : 
يقول الدكتور " أحمد الجبلى " في مقاله ( في الفكر التربوى في الحركة الإسلامية )
من أهم المصادر المعتمدة في الرؤى التربوية نجد: 1- القرآن الكريم 2- السنة النبوية الشريفة 3- الاجتهاد
1- القرآن الكريم: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الإسراء: الآية 9 إن الوحي هو المصدر الأساس الأول الذي يرجع إليه ويلجأ في التشريع والأخلاق والعبادة والاجتماع…فهو يمثل ثروة عظيمة من مفاخر المصادر التربوية في تهذيب الأخلاق وتنظيم السلوك الإنساني وتربية الأمة جنودها وقادتها إلى مدارج الخير والصلاح والكمال
2- السنة النبوية المطهرة:
المصدر الثاني الذي تنهل منه التربية – رؤية ومنهاجا..تفكيرا وسلوكا – هو السنة المطهرة الشريفة وللسنة في المجال التربوي فائدتان عظيمتان: أ‌- إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم، وبيان التفاصيل التي لم ترد فيه. ب- استنباط أسلوب تربوي من حياة لرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وزوجاته والشيوخ والأطفال وغرس الإيمان في نفوسهم ، ومن خلال استيعاب هاتين الفائدتين نتبين لماذا رفع الله تعالى رسوله أعلى الدرجات، وأقصى مراتب الكمال الإنساني، فجعله المثل الأعلى للكمال، والقدوة المثلى للبشرية قاطبة. فأدبه فأحسن تأديبه وعصمه من الخطايا والمعاصي، وحلاه بالخلال الحميدة التي جعلته عليه السلام يمثل التقويم الفعلي العملي لكل فرد نهج نهجه واتبع سنته
3- الاجتهاد: عرف الأئمة والأصوليون والفقهاء الاجتهاد تعريفات كثيرة. وما نحتاجه هنا هو ذاك 
التعريف البسيط والمتفق عليه الذي هو: " بذل غاية الجهد في الوصول إلى أمر من الأمور أو فعل من الأفعال" وهو كمصدر من مصادر الرؤية التربوية يتخذ شكلين: الشكل الأول: الاقتباس والانتقاء: أي الاقتباس والانتقاء مما تيسر الوصول إليه من اجتهاد من سبقنا أي من: – التجارب التاريخية أو التراث التربوي للمسلمين. – التجارب المعاصرة كتجارب الحركات الإسلامية في باقي الأقطار. – المدارس التربوية الغربية لأن التربية السليمة هي التي تتعامل مع التجربة الإسلامية التاريخية والمعاصرة، وتجربة العلوم الإنسانية الصحيحة لمختلف التوجهات والمدارس دون تقيد بمذهب أو تيار فكري أو تربوي معين، وتحرص على الاستفادة منها جميعا بروح التحليل والغربلة والنقد مع مراعاة ضوابط ومعايير محددة منها: – عدم التعارض مع النص قرآنا وسنة. – حسب حاجة الواقع المحلي وخصوصياته. – التجربة الذاتية. الشكل الثاني: الإنشاء والإحداث: الإنشاء: هو الاجتهاد في مجال الفراغ التربوي وهو الذي لا نص فيه ولا تراث. وهو يتجلى خصوصا في مجال بعض الوسائل. فكثير من الوسائل لا تحتاج إلى تقنين أو ترشيد بقدر ما تتاح عن طريق التجربة والاجتهاد والإبداع والابتكار والمحاولة تلو لأخرى لتضاف إلى ذهن الفرد وسائل وطرق جديدة يملأ بها الفراغ والفقر الذي كان يعانيه في المجال التربوي. . 
( عيوب التربية الجماعية )
يبقى للتربية الجماعية مزيّة هامة وهى جمع أفراد مؤمنون بفكرة ما يسعون لتغيير المجتمع إلى الافضل بدلاً من تناثر الجهود الفردية وتشتتها ووجود ميثاق تربوى وشرعى يتحركون على أساسه ولكن جيتوهات التنظيمات أنتجت - بدون قصد - احتكار للفهم الصحيح للدين والاعتقاد بتمايز أفراد التنظيم عن المجتمع ( عزلة شعورية - العصبة المؤمنة ) بل تمايز وأفضليه ربانية على ما يراه البعض مجتمعاً جاهلياً يحتاج للعودة للإسلام من جديد ! وكذلك الخلط بين شموليه الإسلام وشموليه الحركة بمعنى تماهى الوسيلة لتصل لغاية وتتمدد الوسيلة بسرعة لتصل لغاية بل وبديل كامل عن المجتمع بأسره ، فليس معنى أن الاسلام الحنيف نظام شامل وكامل لكافة مناحى الحياة أن تعتقد الحركة - أياً كانت - أنها دعوة سلفية ونقاء صوفى وطريقة سنّية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية) .كل هذه الوظائف فى آن واحد فهذا مما يعيق الحركة ويثقلها بمهام أكبر مما تقدر عليه ، وفقه الواقع وكذلك فقة الممارسة أيضاً أوضح أن التخصص وتقسيم العمل على أبنائها وسيلة مفيدة وناجحة تعطيها الاريحية الكاملة دون معوقات لنشر دورها الهام فى التربية والتنشئة والتزكية والعمل الخيرى والدعوى الخالص المجرد من أى منافع دنيوية أو توجيه حزبى مع حقها فى الممارسة السياسية العامة دون تحزب أو احتكار بل وترك فضاء واسع ومرن لمن يرغب فى ممارسة حزبية منضبطة بقيم وأخلاقيات الإسلام الحنيف فله ما أراد بعيداً عن تحزب الدعوة وقصرها على دوجما تنظيمية ما ..
كما أن التركيز على الجانب الشرعى فقط رغم اهميته ( علوم قرأن - علوم الحديث - الفقه - السيرة - التفسير وغيرها ) دون الالمام بعلوم حديثة أخرى كعلوم ( الاجتماع - الادارة - الاقتصاد - العلاقات العامة - السياسة ) وغيرها ينتج فرداً نمطى يغيب عنه فقه الموازنات والتفكير خارج الصندوق للمعضلات التى تواجه البناء الحركى له ولغيره بل يجب الاهتمام بعلوم الدنيا والاخرة جنباً إلى جنب .
وكذلك احتكار فهم الاحداث التاريخية ومواقف السيرة العطرة واسقاطها على الممارسة السياسية ينتج عنه أخطاء فى القياس وفساد فى الاستدلال يغذى فى اللا وعى التنظيمى فكرة " جماعة المسلمين " والاخرين من المحاربين للدعوة الاسلامية فتجد الاجتهاد السياسى مثلا فى المشاركة السياسية فى عز قوة وحيوية الحركة واجباً وشهادة يأثم تاركها بينما حينما تقصى الحركة يعتقد البعض ان المشاركة فيها إعانة على الظلم وهدر للدماء وتمكين لغلاة المناهضين للفكرة رغم ان الفارق بين الموقفين سنى بسيطة وكذلك الاستشهاد بصلح الحديبية وغزوة الاحزاب وموقعة أحد وغيرها رغم انها معارك حربية مع كفار يحاربون الاسلام ورسوله بينما التنافس الحزبى وحتى الدعوى تنافس خدمى لتلبية حاجات الشعب المسلم ! 
سيقول قائل ولكننا بّح صوتنا وكذلك فى أدبياتنا العامرة بأننا " جماعة من المسلمين " ولسنا كل المسلمين او نحصر المسلمين فينا كما فعل شكرى مصطفى وجماعته التى سماها حصراً (( جماعة المسلمين ))ولكن الواقع التنثقيقى والتربوى - فى المناهج والممارسة الفعلية - حين يقدم نفسه على أنه الفهم الصحيح والشامل والنقى للإسلام يتلاشى الفارق بين جماعة المسلمين وجماعة من المسلمين فباستدعاء نصوص الولاء والبراء ونصوص الجماعة فى أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو فى القرأن الكريم فالعقل ينصرف مباشرة إلى التنظيم لا إلى المسلمين وتصوير الخروج عن البيعة - وهنا يحدث خلط هائل وفاسد بين البيعة العامة والبيعة الخاصة - هو خروج على ولى الامر أو الامير والذئب يأكل من الغنم القاصية والدعوات بالثبات وألا يكون الاخ من المتساقطين على طريق الدعوة فطريق الدعوة الذى نهايته جنات الفردوس الاعلى وصحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم لن يكون الا عبر هذا الطريق وحده لذلك تجد " الطريق إلى جماعة المسلمين " أو " المتساقطون على طريق الدعوة " معبراً بوضوح عن هذا التصور الذى لا يّصرح به ولكن يّعاش ويتنّفس .
بينما الاولى أن ترى الحركة الإسلامية أنها جزءاً وركناً من المجتمع وليست بديلاً عنه أو وصية عليه لا تسعى للسيطرة عليه أو التمكين أو هدمه من القاع للقمة بل تسعى لاصلاحه وعلاجه وتقويته من الداخل ...

الجمعة، ديسمبر 25، 2015

إحياء الحركة الإسلامية المعاصرة "مفاهيم وتطبيقات" (2/ 5)


غالبا ما تتوفر في الحركات الإسلامية "7 عناصر" تقوم عليها وهي: (( المنطلقات )) (1)
1 ).الفلسفة أو العقيدة: بوجود إطار فكري أو مشروع إصلاحي أو تغييري نابع من عقيدة واضحة محددة يؤمن بها معظم التكوين الحركي بأفراده وقياداته.
2 ). الرؤية والتوجه: بوجود صورة واضحة عن الواقع المرفوض والمطلوب تغييره، وإيمان معظم أفراد التنظيم على نفس المستوى بذلك الأمر.
3 ). المشروع الإصلاحي أو التغييري: بوجود صورة واضحة عن الواقع المرغوب والمراد الوصول إليه، ولماذا هو مرغوب ومطلوب.
4 ). البرنامج: بوجود صورة واضحة عن الأساليب والأدوات التي يمكن من خلالها التغيير والانتقال من الواقع إلى المستقبل المرغوب.
5 ). الإرادة السياسية: بوجود نوع من الاستعداد الحقيقي لدفع الثمن الذي تتطلبه عملية الإصلاح والتغيير، وتحمل تكاليفه على كل المستويات.
6 ). الحركة والتنظيم: بوجود تنظيم فعال قائد يوحد الجهود، وينسق بينها، ويقودها نحو تحقيق الهدف الذي تحدده العقيدة.
7 ). القيادة: وهي عنصر بالغ الأهمية، والقيادة تترجم أفعال ثلاثة مستويات:
1- قيادات فكرية تصنع التصورات المستقبلية.
2- قيادات حركية دعوية تدعوا لحقيقة الحركة.
3- قيادات تنفيذية وتنظيمية وتقوم بتنفيذ الخطط.
  **************************************************
(( الوسائل ))
يقول الأستاذ : مصطفى كمشيش - وهوصاحب خبرة فى العمل التربوى الجماعى - :
 :للحركة الإسلامية عدة طرق أو وسائل سعيا منها لتحقيق أهدافها (لأنها ليست يقينا أنها ستصل بها لأهدافها) منها : التربية (لتكوين صحي لأعضائها) والدعوة والوعظ والإرشاد (لتواصل أعضائها مع مجتمعها) .. والإعلام والمنابر والمؤتمرات وغيرها أدوات للدعوة والتواصل مع المجتمعات .. أم السياسة في الحركة الاسلامية (المرجوة - المأمولة - المنشودة) فهي تقتصر على الخطاب دون الوظيفة ..
فيحق للحركة الإسلامية شأنها شأن اي مواطن أو جماعة أو كيان أن يكون لها تعبير وخطاب موافق أو معارض لأي شأن سياسي , وذلك دون الوظيفة (دون الممارسة - دون التحزب) , فالإسلام دين شامل يتسع لكل مناحي الحياة , يقوم المسلمون بملأ كل أوعية مناحي الحياة , فمسلمون يعملون بالدعوة والتربية , ومسلمون آخرون يعملون بالسياسة الحزبية , ومسلمون يعملون في مجالات الخير والبر والتكافل , ومسلمون يعملون في مجال الصحة والتعليم ووو وكل المؤسسات ( بهم جميعا , باعتبار أن كل منهم على حده يمثل جماعة من المسلمين , يحققون معا مفهوم الإسلام الشامل الذي يسع كل مناحي الحياة ) ...
***********************************************************

(1)  المصدر الحركات الإسلامية و التحول الديموقراطي في العالم الثالث … من إعداد الطلبة : محمد لزعر ، بلال بوزلاطة ،سيف الدين نموشي ، عبد الرحمان بن عزوز ، جلال خشيب ..السنة الثالثة تخصص علاقات دولية ، فوج 1 ،جامعة منتوري قسنطينة، السنة الدراسية 2007-2008.

الأربعاء، ديسمبر 16، 2015

إحياء الحركة الإسلامية المعاصرة "مفاهيم وتطبيقات" (1/ 5 )


التعريف:
يعرفها "عبد الوهاب الأفندي" بأنه: "مصطلح يطلق على الحركات التي تنشط في الساحة السياسية وتنادي بتطبيق الإسلام وشرائعه في الحياة العامة والخاصة .
أما "مصطفى الطحان" فيعرفها بقوله: "الحركة الإسلامية هي قاسم مشترك بين جميع العاملين للإسلام سواء كانوا حركات إسلامية قطرية أو إقليمية، أو عالمية أو "حركات إصلاحية" لأهداف محدودة أو "أجهزة رسمية" تعمل على نشر وترسيخ مبادئ الإسلام أو "جماعات خيرية" تساعد أصحاب الحاجات من المسلمين أو "حركات سياسية "تناصر القضايا الإسلامية، أو "حركات طلابية" تعمل على تجمع الطلبة في إطار الإسلام أو "حركات فكرية" تعمل على نشر الفكر الإسلامي وتصحيح مساره أو "حركات سلمية" تعني بعقيدة الأمة، أو "حركات صوفية" تجاهد في سبيل نشر الإسلام، بل ويشترك في هذا الإطار الأفراد الذين يعملون حسب اجتهاداتهم لخدمة الإسلام.
فالحركة الإسلامية هي كل هذا، لا يحدها مذهب ولا يحتكرها قوم، ولا يدعي ملكيتها فريق، بل هي هامش مشترك لكل من يساهم في القضية الإسلامية.
أما الدكتور "يوسف القرضاوي" فيعرفها في كتابه "أولويات الحركة الإسلامية" بأنها: "العمل الشعبي الجماعي والمنظم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع، وتوجيه الحياة كل الحياة بأوامره ونواهيه وتشريعاته ووصاياه".
وقد شاع مصطلح "الحركة الإسلامية في أدبيات الجماعة الإسلامية التي أسسها "أبو الأعلى المودودي" بالهند –باكستان لاحقا- وتنطق في لغة الأوردو "بلفظها العربي" تحريك إسلام.
وحول سبب تسميتها إسلامية" وليس "مسلمة" فهذا يعود لسببين: :
1 - ليس كل مسلم يتعامل مع الإسلام باعتباره مرجعيته العليا والنهائية، وإنما هناك من يتعامل مع الإسلام باعتباره موروث ثقافي أو عقيدة لا تتعدى الأحوال الشخصية، وعليه فإن الموقف من مرجعية الإسلام وحدود هذه المرجعية هو ـأحد الفروقات الأساسية بين هذين المصطلحين.
2 - مقوله الإسلامي أصبحت تطلق اليوم على تلك الوجودات الحركية أو السياسية والثقافية التي تعمل وتناضل بشكل جمعي من أجل إعادة الدور التاريخي والحضاري والسياسي للإسلام 
ومع بداية ظهور أول حركة إسلامية رفضت هذه الحركات اسم "الحزب" وهذا ما حدث مع جماعة الإخوان في "مارس 1928م" عندما سئل "حسن البنا" كيف سنسمي أنفسنا هل نسميها جمعية أم حزب أم…الخ، فأجاب "حسن البنا" بأنه تجمعنا إخوة في الله لذلك سنسمي أنفسنا إخوانا، ويرجع تجنب الحركات الإسلامية في بادئ الأمر إلى مسمى "الحزب"، حتى لا يغلب الطابع السياسي على إسلاميتها، لكن بمجيء جيل جديد من الإسلاميين من أمثال: "راشد الغنوشي" و"حسن الترابي" ارتبط مفهوم الحزب بالحركات الإسلامية، إذ لم يروا في "الحزبية" أي عائق لعمل حركاتهم الإسلامية .
نشأتها:
يمكن القول أن الظهور الأبرز لها بعيد إسقاط الخلافة والتي كانت راية عامة لجمع المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها فقد عجز قادة المسلمين عن إعادة بناء الخلافة الإسلامية مرة أخرى بعد أن أسقطها مصطفى كمال أتاتورك ، وإن ظلت عنصراً أساسياً في مناهج الدعوات الإسلامية وخطة واضحة في برنامج حركة اليقظة العربية الإسلامية ولقد كانت مكة وجامعتها في أيام الحج. وكان الأزهر، من القوى التي ساندت حركة اليقظة الإسلامية بعد سقوط الخلافة، وكان انتعاش السلفية الجديدة في الجزيرة العربية واليقظة الإسلامية في مصر وباكستان وغيرها، من علامات التعويض السريع ثم جاءت بعد ذلك مؤتمرات التضامن الإسلامي – وما زالت تخطو خطوات بطيئة ولكنها ثابتة.
وعن الأصل في صعود هذه الحركات الإسلامية هناك مدرستين تقسم رأي الخبراء الغربيين في هذا الأمر:
1 - المدرسة النيو استشراقية:
ويرجعون بروز هذه الحركات إلى خصوصية الإسلام لا إلى الديناميات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
2 - مدرسة العالم الثالث:
وترى أن نشوء الظاهرة الإسلامية كان ناتج مركب من الحرمان الاقتصادي والاستلاب الاجتماعي والحرمان من الحقوق السياسية.
والواضح أن الحركات الإسلامية قوي عودها منذ نكسة  1967م ضد الكيان الصهيونى  وفتح السلطة المجال للصحوة الإسلامية في السبعينات لضرب اليسار الراديكالي فكانت نقطة البدء لمشروع الإحياء المعاصر
  1. *المصدر: العاصمة نيوز

الثلاثاء، نوفمبر 17، 2015

ذكرياتي مع "جماعة الفرماوية" 2-2

تقديم : كما أسلفنا في المقال السابق كان موقفهم من (( عوام المجتمع )) والمخالفين لهم  يتميز بالاضطراب الشديد فرغم أن نظرتهم للغير تشكيكية حادة لكنها لم تصل للتكفير العيني لجهلهم بضوابط وأصول التكفير المعتبرة شرعاً .

* الأصول الاعتقادية للطائفة الفرماوية :

1- ترك الاخد بالأسباب :

كان هذا المبدأ من المبادئ الأساسية في طريقهم ، وعليه تبنى أكثر معتقداتهم ، فهم يزعمون أن الأخذ بالأسباب يطعن في صحة التوكل على الله وفيه شبهة شرك، وكانت هناك عبارة يرددونها : للناس أسباب وأسبابنا التقوى ويسوقون على ذلك أدلة من القرآن فقط فالسنة عندهم ملغاة تماما،وهو قوله تعالى"ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"  وقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم "    وقوله تعالى "ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا "  وغيرها من الآيات الكريمة التي تحض على التوكل على الله ولكنهم أولُوا الآيات بفهم خاطئ يصل للتواكل المذموم...

 يقول شيخهم من أراد شيئا عليه أن يلزم المحراب يتعبد لله ويدعوه ، والله يقضي حاجته ، ثم ساق حديثا قدسيا على ذلك: "يا أرض من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه "      
ونتج عن هذا الاعتقاد - عدم التداوي مطلقا مهما كانت حالة المريض،حتى وصل الأمر عندهم إلى أنه مجرد التداوي أو دخول المستشفى قدح في إيمان الشخص بل قد يخرج من طريقهم نهائيا . وكان من كلام شيخهم "الطب شرك من عمل الشياطين، هذه عقيدتي" [1]  رغم وجود قرائن تاريخية لبعض الصحابيات – رضى الله عنهن – ممن امتهن مهنة التطييب " التمريض" في المعارك الحربية بين المسلمين والكفار كالسيدة رفيدة بنت سعد من قبيلة بنى أسلم وهى أول ممرضة محترفة في صدر الإسلام وغيرها كالسيدة عائشة – أم المؤمنين- وأم سلمة وأم حبيبة الانصارية وغيرهن   

2- عدم السعي للرزق، والتفرغ لعبادة الله :
وهذا يعد من المبادئ ذات الصدارة في طريقهم،إذ أن الله خلق الخلق لعبادته، ودليلهم في ذلك قوله تعالى" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " والدليل الرئيسي في هذا المقام : قوله تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب "  وكذلك  قصة الصديقة مريم، لقوله تعالى "كلما دخل عليها ذكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب "
يقول شيخهم: إن الصديقة مريم التزمت المحراب وتفرغت للعبادة فجاءها رزقها يسعى إليها دون جهد منها أو عناء ورزقها الله من حيث لا تحتسب، وهذا ما يجب على المؤمن أن يفعله، فإن الله أخبر بأنه خلق العباد لعبادته وتكفل برزقهم، فلا ينبغي أن ينشغل الإنسان بما ضمنه الله عما خلقه الله له .

3- وجوب الأمية على الأمة المحمدية :
وذلك لأن الله تعالى يقول"واتقوا الله ويعلمكم الله" فإذا لزم المرء المحراب متعبدا لله رزقه الله علم الفتح الرباني عن طريق الإلهام  
وكان دائما تفسير شيخهم للتقوى هو لزوم المحراب والتعبد لله وترك المعاصي واعتزال الناس والتفرغ من الأعمال الدنيوية   
وبناءاً على ذلك لم يحاول أحد منهم التعلم بأي طريق من طرق العلم، فإذا سألتهم: لماذا تحضرون دروس شيخكم وتسمعون شرائطه؟ قالوا: هذا للتذكرة فقط وليس للتعلم   
شيخهم قوله : إن الله أنزل ثلاث كتب: ,ومن شطحات 
القرآن : وهو كتاب الله المقروء   
الكون : وهو كتاب الله المفتوح   
الفطرة : وهى كتاب الله الذي خلقه داخل الإنسان قبل أن يولد وهو نسخة من القرآن، فإذا تم الحفاظ على الطفل بعيداً عن شياطين الإنس والجن بحيث لا يفسدون فطرته شب الطفل وفى داخله نسخة من القرآن، والقرآن يشمل كل العلوم، ولذلك لا نحتاج إلى التعلم، وشرط الحفاظ على الفطرة لزوم المحراب والتعبد والتفرغ والاعتزال  
4- - عدم الأخذ بأسباب القوة   :
فكان تفسيره للآية" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة 000" أن هذه هي قوة الإيمان فقط، أما القوة البدنية والعسكرية والاقتصادية وغيرها فلا شأن للمؤمنين بذلك، فلا معنى أن يتلقى جيش المسلمين تدريبات  ولا يهتموا بأسلحة أو غيرها، فالمؤمن رقيق القلب لا يستطيع أن يذبح دجاجة فكيف يستطيع أن يقتل بشرا![2]ً  

5- - الاعتزال والخلوة وعدم الاختلاط بالناس :  
وهذا المبدأ أكده شيخهم كثيراً، فهو يقول: إنك إذا خلوت بالله واعتزلت الناس حصلت لك حالة صفاء تصلح لأن يفيض الله عليك بفيض العلم الرباني والكشف، أما الاختلاط بالناس يسبب نزول الحجاب بين الله وقلبك، فمعاصي الناس تعتبر حجاب للكشف النوراني، ولذلك هم لا يصلحون للكشف الرباني، فإذا خالطهم الإنسان صار غير صالحا للكشف مثلهم  

6- - القلب المؤمن هو مؤمن بطبيعته، والقلب الكافر كافر بطبيعته : 
ونتج عن هذا المبدأ أن تقاعسوا في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واليأس من هداية الناس ، وإهمال تربية الأولاد بدعوى أن الولد إما يولد صالحا وإما يولد غير صالح  0
يقول شيخهم: إن الولد إذا وصل إن سن واحد وعشرين سنة ولم يلتزم فلا أمل في هدايته، أما الذين تابوا بعد هذه السن فالله أعلم بمدى قبول هذه التوبة [3]

7- - إنكار الكتب الشرعية :
بل كل ما سوى القرآن  ، إنكاراً تاما لا يحتمل النقاش ولا يقبل المفاوضة بما في ذلك كتب الأحاديث الصحيحة وغيرها وكتب السيرة والفقه والحديث  قاطبة دون استثناء  0
يقول شيخهم: القرآن هو الكتاب الحق الذي ليس فوقه كتاب، ولا تحته كتاب

وتحت هذا المبدأ حدث ولا حرج عن إنكار أحاديث بلغت في صحتها حد التواتر وبعضها حسن وبعضها ضعيف أو موضوع لا فرق بين هذه الأحاديث كلها ، فكل ما سوى القرآن ( باطل ) .[4]

8- - تحكيم العقل على القرآن والسنة:
فهم يعرضون آيات القرآن على عقولهم ، ويأتون بالتفسير الذي يناسب منهجهم لتفصيل الأدلة المناسبة اللازمة لطريقهم ، ويعرضون أحاديث رسول الله على عقولهم ، فما وافق عقولهم كان كلام رسول الله ، وما خالف عقولهم كان مدسوساً على رسول الله ، تجد أحدهم يطعن في حديث بلغ في صحته أعلى درجات الحديث ، فإذا عُرض نفس الحديث على رجل آخر بينه وبين الأول مشاحنة اتـهمه في دينه ، وأنكر عليه ذلك  وصحح الحديث الذي أنكره الأول ، ولا يخفى ما في هذا المبدأ من الفساد  .

________________________________________________


* وبنظرة سريعة على دروس إمامهم نجده موافق لمعتقدات غلاة الصوفية ومتعصبى الشيعة والخوارج والمعتزلة حيث نلاحظ أن الشيخ انتهج في أسلوبه نهج ابن عربي  حيث يدعو أولاً إلى كثرة العبادة والزهد ، ثم  ينتقل إلى إثبات حلول الذات الإلهية في المخلوقات  ثم يبدأ في إسقاط أحكام الشريعة حكماً حكماً  ووضع حجاب غليظ أمام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته . حيث يستهل دعوته بقوله ( على الإنسان أن يغض عن الدنيا وما فيها ، ويتمسك بالله، والله خير وأبقى ) الجزء الأول ص1 ، - ( وجود الإله الحق المعبود ثبت بالأدلة القاطعة  لم تُرَ ذاته لأسرار منها أنه لا يُرى " قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي " (الأعراف 143) ، ومنها أنه لو رُئي لاختفى كل شئ " وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ " (الأعراف 143) ، ومنها أن الإنسان ليس مُهيئا لرؤية ذات الحق سبحانه ، ولكن تهيؤ الإنسان للخدمة فقط ) ج1 – ص6 ثم  ننتقل إلى مرحلة أخرى ، حيث يبدأ في صنع سياج محكم حول العقول ، يمنع به الثقة في أي مصدر للعلم سواه ، ويغلق جميع أبواب المعرفة الأخرى ، ويصب السخرية على العلماء فيقول :
( السنة لم يأمر الرسول بتدوينها في كتب ، لأنه كان شارحاً لها عملياً ، ومن بعده نقل الإسلام الصحابة والهداة والورّاث والمسلمون عملياً ، حتى صار صورة معلومة من الدين بالضرورة ) ج1 – ص60  .، - ( الأخذ من الكتب لا يهدي إلى الحق ولا يُقرّه القرآن ، وفي عهد الرسول لم يكن مع القرآن كتاب ) ج1- ص60  ، - ( علم الأزهر الذي ألفته البشرية المنحرفة علم مِعْوَجّ ، ليزداد المعوجون عِوَجاً ، والدليل واضح  الناشرون له معوجون ، والمستمعون معوجون  وكفى بالله شهيداً وحسيباً ... العلم الرباني هداية  ليزداد المستقيمون استقامة...خلاصة علم الأزهر الدعوة لترك الدين ، الناشرون لعلم الأزهر لا دين عندهم ، وما نراه فهو قشور لا حقيقة ) ج1 – [5]
ثم يؤصل لاحتكاره اللدن الالهى قائلاً - ( العلم الإسلامي يُعرف من أهله ، أهل النور الذين اتصلوا بالتعبد ، وفتح الله عليهم ، ويمدهم به عند الحاجة إلهاماً "  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً " (الشورى 51) ، الاتّباع يكون لصالح واصل، مَن لم يصل يأخذ العلم ممن وصل حتى يصل ) ج1- ص60   .ثم تدنى به الحال لادعائه تلقى الوحى في آخر أحد الدروس يقول عن نفسه ( هذا الكلام خلاصة آيات قرآنية وليس عبثاً ، ومستمد من وحي الله على قلـــب عبده الصــالح المتصل )ج1- ص169
ومن شطحاته أيضاً  الشيخ الفرماوي يدعي أن للقرآن ظاهراً وباطناً ، وأن الباطن اختص بعلمه العلماء الربانيون  تمامًا كما يقول الشيعة ، ولذلك قرأت في إحدى مذكرات الشيخ تفسيراً لقوله تعالى "وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى " (طه 121)، أن المعنى المراد : وأطاع آدم ربه! ونراه هنا يوافق الشيعة في تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص.
ومنها تدرّجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية منهم يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا، وقد اختص بمعرفة الباطن عليّ رضي الله عنه، وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسمّوا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة.! ثم  ننتقل إلى مرحلة ادعاء العصمة حيث يقول :
- ( الكمال صفة تميز العابد من غيره ، والكمال سر من أسرار الإسلام ، الكمال شعار العابدين لله الصادقين المخلصين ) ج1- ص5   .
- ( العقل لا يخطئ...القلب مفتي لا يخطئ ) ج1- ص149-158  .

خاتمة :   ( ومن الصوفية طريقة يعظمون شيخهم ، ولا يرون على وجه الأرض أحداً أكمل منه ، ويزعمون أنه يوحى إليه ... وهؤلاء ينظرون في كتاب الله  فما وجدوا من آيات توافق هواهم أخذوها دليلاً على مذهبهم ، وما وجدوا من آيات تخالف هواهم أولوها وفسروها بما يوافق مذهبهم ، وينظرون في السنة : فإن وجدوا ما يوافق هواهم أخذوه دليلاً  وإن وجدوا ما يخالف هواهم ضعفوا سنده تارة  وأنكروه تارة ، وحرفوه تارة ...) شيخ الإسلام " بن تيمية " متحدثاً عن غلاة الصوفية 

التحليل النفسى للشيخ الفرماوى :

بناءاً على ما سبق ذكره نجده شخصية كاريزمية متسلطة تميل بشده للبارانويا المغلظة ويتضح وجود انفصام في الشخصية نتيجة غموضه الشديد ودهائه استطاع امتلاك قلوب اتباعه رغم تهاوى عقيدته الشاذة لكل طالب علم مبتدىء ولكنه جمع عقائد الغلاة في بذرة واحدة لم تنمو في المجتمع لمخالفتها الفطرة والمنطق والعقل فاجتثت شجرة خبيثة من فوق الأرض ما لها من قرار .


______________________________________________

  الحواشى :




[1] ونلاحظ هنا أنه لم يذكر البديل، فما العمل إذا وقعت حادثة لأحدهم على الطريق، أنتركه ينزف ولا ندخله المستشفى أم ماذا نفعل ؟ إذا سألتهم هذا السؤال يقولون:

المؤمن الصادق محفوظ من الله لا يحدث له مكروه أبدا، فإذا حدث ووقع مكروه لشخص ما كان هذا لتقصيره في جانب الله، ولذلك فهو يتحمل نتائج تقصيره ويستحق ما حدث له  !
[2] إذن ما تفسيره لغزوات الرسول وصحابته الكرام ومعارك المسلمين مع الكافرين   ؟
يقول: أولا كلمة غزوة كلمة خاطئة إذ أن معنى غزا أي اعتدى، المؤمن لا يعتدي فكيف برسول الله 
أما عن معارك المسلمين وقتالهم: يقول: إن المسلمين كانوا يحضرون إلى ميدان القتال فقط ثم بعد ذلك يدير الله المعركة!! كيف ذلك؟ أي أنك ترى رقاب الكافرين تطير في الهواء دون تدخل من المسلمين !! لكن هناك سؤال: ماذا لو هجم العدو على بلاد المسلمين قاصداً احتلال أراضيهم ؟
يقول شيخهم: الأرض التي بها توحيد لا يدخلها الاحتلال،بدليل"إن الله يدافع عن الذين آمنوا"   
وماذا عن قول رسول الله "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"  ؟
يقول: هذه قوة الإيمان، مثال ذلك أن المؤمن القوي إذا ظهرت له امرأة فاتنة أثناء سيره في الطريق استطاع أن يغض بصره بخلاف الضعيف  

[3] 
لكن ماذا عن سحرة فرعون وقد اتبعوا رسول الله موسى بعد هذه السن ؟
يقول: هذه حالة خاصة، وكذلك ملكة سبأ والحالات المشابهة كل ذلك ( حالة خاصة )
كما أن رسول الله لم يبعثه الله لهداية البشرية وإنما هو بشير ونذير، أي بشير لقوم هم على طريق الإيمان ونذير لقوم هم على طريق الكفر، وأخذ دليلا ًعلى ذلك من القرآن الكريم " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ، وبهذا أنكر أن يكون أحد من الصحابة كان مشركا قبل الإسلام، بل عند بعثة رسول الله وجد الناس فريقين: فريق على الحق، وهذا بشره الرسول بالنجاة والنعيم في الآخرة، وفريق على الشرك وهذا أنذره الرسول بالهلاك والعذاب في الآخرة 
[4] فإذا قلت لهم: قد اتفقت الأمة على أن البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله 
قالوا: إن البخاري ومسلم رجلين صالحين، لكنهما لم يكتبا كتبا ولم يصنفا شيئا، وإنما هذه الكتب التي بين أيديكم كتبت عن طريق طلاب العلم الفاسدين ، فقد كان العالم الرباني يجلس للدرس ويأتي إليه طلاب العلم وبينهم نفر لهم نوايا سيئة فيسمعون العلم من العالم ويكتبوه ثم يحرفوه ثم ينشروه، هذه هي الطريقة التي كتبت بها الكتب  0
وبناءاً على هذا المبدأ أنكروا طائفة كبيرة من الأحاديث ومواقف كثيرة من السيرة، وأنكروا بعض صفات الله التي أخبر بها الرسول ، وفسروا القرآن طبقاً ( للمعنى )أي لما يجد كل منهم في قلبه ، والفهم الذي يمليه عليه خاطره ، بل وأنكروا تماماً أن النساء عامة وأمهات المؤمنين خاصة قد أبلغن شيئاً من أحاديث الرسول أو شيئاً من العلم !!

[5]  قوله : "علم الأزهر الذي ألفته البشرية  المنحرفة ... " المقصود علم الكتب الشرعية  والمعلوم أن كثيراً من الكتب التي تدرس في الأزهر كتبت قبل إنشاء الأزهر بعشرات السنين ، وقد يكون في بلاد أخرى غير مصر ، ولم يختص الأزهر بهذا العلم .

  وأما قوله " البشرية المنحرفة "، فهذا سب للعلماء سلفاً وخلفاً ، حتى ولو فرضنا تحريف الكتب  فالأصل أنـها من تصنيف العلماء ، وأما وصفه للناشرين والمستمعين بالاعوجاج فقد شمل الملايين بتعميم فاسد دون جريرة .

***************************************************
المصدر : العاصمة نيوز 

الأحد، نوفمبر 08، 2015

ذكرياتي مع "جماعة الفرماوية" 1-2



استهلال : يتبادر للأذهان حينما نتكلم عن هذه الجماعات المجهولة للكثيرين تساؤلات مثل ما فائدة الحديث عن فكر مغمور انطمر في غياهب التاريخ ؟ ولماذا الاهتمام بالرصد التاريخي والتأصيل العقدي لبعض عشرات أو مئات من شذاذ الأفكار الذين لم يتركوا بصمة داخل المجتمع المصري ؟ وكيف نترك مشاكل " جنون الدولار " و " سد النهضة " وقضايا " الاستبداد والتعذيب والاختفاء القسرى وغيرها " و الذي لم تمر على مصر فترة اضمحلال ورجعية إنسانية وحضارية وقيمية مثل تلك الفترة الغابرة من التاريخ المصري المعاصر.

والإجابة : لأسباب عدة منها حفظ التاريخ للأجيال القادمة  وتوضيح التجارب السابقة  ( إصلاحية أو ثورية  كانت ) لتتحاشى الأجيال القادمة تكرار نفس الأخطاء بحذافيرها وحتى يبدءوا  من حيث انتهى الآخرين و لا يعيدوا الكرة ذاتها ، ولشيوع فكرة السرية والكتمان وغياب التأصيل العقدي والتاريخي لهذه الجماعات في فترة الصحوة الإسلامية التي بدأت في السبعينات وحتى الآن وتغليبها للجوانب العملية والسلوكية على حساب الجوانب التنظيرية كما يقل – ان لم ينعدم – اهتمامهم بتدوين تاريخهم وكتابته  ولإغفال كثير من الباحثين إلقاء الضوء على هذه الجماعات محدودة التأثير والاهتمام بالجماعات الكبيرة ذات القوة والشعبية وأخيراً شيوع كتابات منظري اليسار الراديكالي المغالى  مثل "رفعت السعيد ونبيل عبد الفتاح" وغيرهم  عن هذه التنظيمات أكثر من كتابات المنصفين المعايشين .. وحتى عندما يكتب الأصدقاء والمريدين .. فإنهم يكتبون ما يحبون.. باعتبار أن هذه الدعوة كاملة مكملة.. يخطئ غيرها.. وهي معصومة من الخطأ.. وهو منهج خطير في التاريخ.. منهج تبريري يغالط الحقائق.. ويجعل التاريخ روايات لا عبرة منها ولا فائدة. لذا نحاول الرصد والتحليل والتأصيل لتعم الفائدة ..


وهنا نحاول إلقاء الضوء على مذكرات المهندس "عبد الرحمن عبد اللطيف "  وهو واحد ممن صاحبهم لمدة تربو على خمس وعشرين عاماً وتربى بينهم  وكان أقاربه من الدرجة الأولى من أتباع ومريدي " الفرماوى " وقد أتاحت له هذه السنون حضور مجالس شيخهم وقراءة مذكراتهم التي كتبها إمامهم وتبعه أتباعه في ذلك وتكتسب هذه المذكرات أهميتها من كونها إضافة هامة للمكتبة الإسلامية وللمهتمين بمجال الحركات الإسلامية المصرية المعاصرة – حيث تخلو المكتبة من أي ذكر لهذه الجماعة سوى بعض القفشات وطرائف الاعتقاد  للشيخ أبى إسحاق الحوينى حينما زامل أستاذهم في نفس الزنزانة (1)  وكذلك الشيخ وجدي غنيم حينما حُبس معهم في الثمانينيات -  من شاهد عيان راجع ودرس أكثر من ألف ورقة مما دونه أنصار  إمامهم الفرماوى وقارن بين أصول الاعتقاد لدى " الشيعة " و " الصوفية " المغالين ومدى مقاربتها لأفكار هذه الجماعة وأساس الغلو والشطط لديهم مقارنة مع عقيدة " أهل السنة والجماعة " الطائفة المنصورة .

نشأة الجماعة :

ظهرت هذه الجماعة عندما خرج على الناس في بداية السبعينـــات من القرن الماضي  إمامهم  "محمد سالم الفرماوي"  - المولود بقرية ( ساقية أبو شعره) بالشرقية  في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي وتوفى فى أول شهـــر يناير من عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف من الميلاد عن عمر يزيد على المائة عام - 
  منادياً  بأنه عالم رباني يمشي بإلهام ونور من الله ، وأنه يتلقى الوحي من الله ، وما عليه إلا البلاغ !
كان شيخ هذه الجماعة يجيد لغة الجسد ويُسرف في استخدام المؤثرات البصرية والسمعية ويوظفها في في خطابه لأتباعه المشتاقين لنور الله وحكمته التى اختص الله بها زعميهم من دون البشر قاطبةً ، فقد كان يمكث معظم الوقت مغمض العينين له صوت خافت يشبه أنين المريض ويتمتم أحياناً بكلمات غير مفهومه مما أوحى للحاضرين باتصاله باللدن الالهى العلوى ويقذف في قلوبهم الهيبة والرهبة والتوقير له .

كان الرجل نحيل الجسد ، قصير القامة ، يرتدى العمامة الكبيرة والعباءة والحذاء الأخضر ويمسك في يده بعصا خضراء غليظة في يده وهو نوع من المؤثرات البصرية التى توحى للمتابع بيوتيوبيا مجتمع الفضيلة والجنة الموعودة حيث المروج الخضراء وانهار اللبن العذب الذى لا يتغير طمعه مما يوقف العقل ويفتح القلب على مصراعيه لتلقى الأفكار على أنها مسلمات وثوابت قطعية الثبوت قطعية الدلالة  لا تحتمل النقاش أو التأويل أو المراجعة ..

كانت البدايات حينما  بدأ يعتزل الناس ويتعبد منفردا عن الخلق ، وأحيانا يجلس لإلقاء الدروس وصار  الناس يلتفون حوله ، ويصدقوه فيمـــا يقول ، ويؤيدون طريقته التي يدعو إليها فبدأ يتكون هيكل للجماعة ، ويظهر لها شكل ملموس في المجتمع ، وسمع الناس بمبادئهم ، لكن دعوتهم لم تكن سريعة الانتشار حيث أنها مخالفة لصريح المبادئ الإسلامية المتعارف عليها بين الناس ، ولأنها مخالفة للعقول الراجحة والفطرة السليمة . 

  لم تكن فكرة " نشر الدعوة " غاية ملموسة لديهم  حيث أن مبادئهـــم تنفي الأخذ بالأسباب ويقولون إن قلوب البشر منها مؤمن ومنها كافر ، فالقلب المؤمن هو مؤمن بطبيعته فلا يحتاج إلى دعوة ، والقلب الكافر هو كافر بطبيعته فلا تنفع معه دعوة ، كما أن منهجهم في ذلك أن الدعوة تكون سلوكية فقط دون كلام ، لأن لأهل الكلام علماء كتب ، وليسوا علماءا ربانيين ، ولذلك يجب مواجهة الدعاة المتكلمبن بالصمت والسلوك الإسلامي .
  
  ولعل هذا كان من أسباب قله أعداد هذه الجماعة ، التي بلغت أربعمــــائة شخص على مستــوى الجمهورية طبقا لما ورد بإحدى الصحف  في بداية الثمانينات.

ومما امتازوا به  تقديم " العقل على النقل " ، ويقولون أن دليل المؤمن قلبه ، بدليل الحديــــث : ( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) كما كان يقول شيخهم ، فقد كانت هناك عبارة شهيرة طالمــا رددها يقول ( المعنى عندي كذا ) أي قلبي يشعر بكذا كأنه " استحسان " فقط  دون اعتبار لبقية مصادر التشريع مثل "الإجماع والقياس والمصالح المرسلة "
أما عن نظرتهم للمجتمع و معاملتهم مع سائر الناس فمن المنطقي أن يحدث تنافر بينهم وبين المجتمع لكنه لم يصل للتكفير العينى لغياب فهمهم لضوابط الكفر وموانع الايمان نظراً لسواد الأمية والجهل بينهم   بل كانوا يكتفون  بالنظر  إلي الناس على أنهم"أهل الباطل" ليس فيهم خير إذ لو كان فيهم خير لهداهم الله إلى الحق الذي هم عليه وأن هؤلاء قد خلقهم الله لخدمتهم والقيام على راحتهم فهم عباد الله وباقي البشرية خدم لهم وهـــم صفوة البرية على وجه الأرض لا يدانيهم في هذه المنزلة عالم من العلماء ولا مجاهد من المجاهدين ولا شهيد من الشهداء فكل هؤلاء تلقوا دينهم من الكتب، أما هم فتلقوا دينهم من الوحي والإلهـــام فنتج عن ذلك أن صدوا هم عن سبيل الله  فإذا لقي بعض أفراد الطائفة رجلا ً أُمياً قال عنه " هذا رجل فطرى " أي على الفطرة السليمة التي لم تُشوه بعلم الكتب ، وإذا لقي رجلا ً من الجُهال لكنه يُحب أهل الدين قال عنه " هذا رجل عنده معنى " وهي كلمة ثناء عندهم !
 أما إذا لقي واحداً من طلبة العلم  قال عنه " هذا شيطان ، هذا عدو، هذا مُحمّل بأباطيل الكتب ولا رجاء في هدايته ولا فائدة في نقاشه !

  فأفكار انعزالية بحتة وجيتو منغلق يضيق بأتباعه ويقيد أفكارهم  ويفرض عليهم ( وجوب الأمية وتحريم التعليم وترك الاخذ بالاسباب وفهم التواكل على أنه توكل وتصنيف الناس إلى بر بالفطرة وفاجر بالفطرة والاخذ بالقرآن فقط وعدم الاعتراف بالسُنّة " الحديث " والتفسير والفقه وغيره ) لهى أفكار تحمل في طياتها أسباب فنائها وعدم تقبل المجتمع لها مما أدى لتشرذم الأتباع بعيد وفاة مؤسسها أو يمكننا القول أنهم في طريقهم للاندثار فأعدادهم الآن لا تتجاوز الخمسين شخصاً على مستوى الجمهورية معظمهم تقدم في السن ولم يبق من أولادهم على نفس الايدولوجية سوى أعداد لا تتجاوز أصابع اليد دون توافر رابط فكرى يجمعهم ويعيد ترتيب صفوفهم المتهالكة لعدم توافر مرجعية شرعية تستكمل البناء الأصولى لما وضعه زعيمهم الراحل وهذا ديدن الجماعات الشاردة التى تعتمد على شخصية كاريزمية واحدة فيقل وميضها ويخفت تأثيرها بوفاته  كما حدث مع جماعة السماويين لزعميها "الشيخ طه السماوي " أو جماعة الشوقيون لإمامهم " شوقى الشيخ " أو حزب الله المصري لقائدها "احمد طارق ".



في الجزء الثانى من ذكرياتى مع جماعة الفرماوية نتناول : الأصول العقدية للجماعة الفرماوية (2-2)

الاثنين، أكتوبر 05، 2015

عن الليبرالية والعلمانية .. والملوخية !


اطلعت على مقال أو بحث زميلتى بنفس الموقع الكاتبة الأستاذة / سيلين سارى المعنون " العربى بين الليبرالية والعلمانية وصولاً للملوخية 

وبعيداً عن لغة السخرية والهزل في موضوع فكرى ثرى  استوقفنا لغة الجزم والاحتكار ومنها:
(تقوم الليبرالية على مبدأ واحد شاذ هو: كلُّ إله لنفسه ومعبود لهواه، فهم أحرار يقومون بما يشتهون ويشاؤون، ولن يحاسبهم رب على شيء في الدنيا، وليس بعد الموت شيء، لا حساب ولا ثواب ولا عقاب ) وهو تعبير عن الماركسية الراديكالية والتى كانت تؤمن بأن الدين هو أفيون الشعوب وليس عن الليبرالية بشقيها الفكرى والاقتصادى .



                                                                                             الليبرالية (liberalism

اشتقت كلمة ليبرالية من ليبر liber وهي كلمة لاتينية تعني الحر .الليبرالية حاليا مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل

    تهدف لتحرير الإنسان كفرد وكجماعة من القيود السلطوية الثلاثة (السياسية والاقتصادية والثقافية)، وقد تتحرك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها،  تتكيف الليبرالية حسب ظروف كل مجتمع، وتختلف من مجتمع غربي متحرر إلى مجتمع شرقي محافظ. الليبرالية أيضا مذهب سياسي واقتصادي معاً ففي السياسة تعني تلك الفلسفة التي تقوم على استقلال الفرد والتزام الحريات الشخصية وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية والإصلاحات الاجتماعية.المنطلق الرئيسى في الفلسفة الليبرالية هو أن الفرد هو الأساس، بصفته الكائن الملموس للإنسان، بعيداً عن التجريدات والتنظيرات، ومن هذا الفرد وحوله تدور فلسفة الحياة برمتها، وتنبع القيم التي تحدد الفكر والسلوك معاً. فالإنسان يخرج إلى هذه الحياة فرداً حراً له الحق في الحياة أولاً.ومن حق الحياة والحرية هذا تنبع بقية الحقوق المرتبطة: حق الاختيار، بمعنى حق الحياة كما يشاء الفرد، لا كما يُشاء له، وحق التعبير عن الذات بمختلف الوسائل، وحق البحث عن معنى الحياة وفق قناعاته لا وفق ما يُملى أو يُفرض عليه. بإيجاز العبارة، الليبرالية لا تعني أكثر من حق الفرد ـ الإنسان أن يحيا حراً كامل الاختيار في عالم الشهادة، أما عالم الغيب فأمره متروك في النهاية إلى عالِم الغيب والشهادة. الحرية والاختيار هما حجر الزاوية في الفلسفة الليبرالية، ولا نجد تناقضاً هنا بين مختلفي منظريها مهما اختلفت نتائجهم من بعد ذلك الحجر، سواء كنا نتحدث عن هوبز أو لوك أو بنثام أو غيرهم. هوبز كان سلطوي النزعة سياسياً، ولكن فلسفته الاجتماعية، بل حتى السلطوية السياسية التي كان يُنظر لها، كانت منطلقة من حق الحرية والاختيار الأولي. لوك كان ديموقراطي النزعة، ولكن ذلك أيضاً كان نابعاً من حق الحرية والاختيار الأولي. وبنثام كان نفعي النزعة، ولكن ذلك كان نابعاً أيضاً من قراءته لدوافع السلوك الإنساني (الفردي) الأولى، وكانت الحرية والاختيار هي النتيجة في النهاية. وفي العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، أو الليبرالية والدين، فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته الخاصة من الحقوق والحريات، ولكنها صارمة خارج ذلك الإطار. أن تكون غير أخلاقي، فهذا شأنك. ولكن، أن تؤذي الآخرين، بأن تثمل وتقود السيارة، أو تعتدي على فتاة في الشارع مثلاً، فذاك لا يعود شأنك.
وهو ما يشير إليه عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عبد المجيد النجار : قائلاً "إذا أغلقت على نفسك باب بيتك فمسؤوليتك بينك وبين ربك، أما إذا كنت تخالط الناس فالحرية مقيدة باحترام مشاعر الناس حتى وإن كانت أفعالك ليست مجرمة قانونا".
وردا على إمكانية تطبيق الشريعة في الوقت الحاضر، أكد الشنقيطي أن أغلب قواعدها مطبقة وأن المعطل هو جزء من الشريعة.
وبيّن أن تطبيقها معطل في عنصران فقط هما: القيم السياسية، وبعض القوانين المتعلقة بالتجارة وأمور الأسرة وما شابه. وأوضح النجار أن الحرية أصل الشريعة، وأن أول بنودها هي الحرية نفسها "فغير الحر غير مكلف بها"، لكنه استدرك موضحا أن الحرية في المجال الاجتماعي لها حدود يقررها المجموع..
يقول الباحث والكاتب الإسلامى ( محمد مختار الشنقيطى) أرى أن المستقبل في الدول العربية خصوصا، وفي العالم الإسلامي عموما، سيكون لمن يتبنون منهج "اللبرالية الإسلامية"، التي تتمسك بقيم الإسلام دون إكراه، وتتشبث بحرية الفرد والمجتمع دون وصاية. كما أرى أن الحركات الإسلامية بحاجة إلى مراجعة رؤيتها السياسية في التغيير أخلاقيا واستراتيجيا، من رؤية محكومة بالخوف من السلطة والطمع فيها، إلى رؤية محكومة بالأمل في الشعب والسعي إلى تحريره. وهذا النهج هو الذي انتهجتْه القوى الإسلامية في تركيا، وقصرت فيه القوى الإسلامية في الدول العربية حتى الآن. 
ومن اللافت  أن يختم التعريف بهذه العبارة :( ومن أقبح تناقضات الليبرالية، أنَّه لو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين، واختار عامة الشعب الحكم بالإسلام، واتباع منهج الله تعالى، والسير على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجاً شديداً، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حرباً شعواء، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهاباً وتطرفاً وتخلفاً وظلاميّة ورجعيّة  ) وهنا خلط للرؤية السياسية والاقتصادية لليبرالية  المعاصرة وجعلها مذهب دينى إنكارى أو نداً للإسلام الحنيف الذى ينتمى له جميع المسلمين من ( يمين – يسار – وسط) وهو منحى خطير تواجهه الليبرالية الاخلاقية التى ترفض الأدلجة الهوياتية وترى خطرها على النسيج الوطنى خصوصاً استدعائها عند النوازل الوطنية ، صحيح هناك من يدعى الليبرالية التنويرية ويحنى جبهته للإستبداد والقمع طالما من يُستأصل خصومه ولكن الأحرى بنا ألا نعمم فشخصيات ليبرالية مثل ( أيمن نور – وائل قنديل – سليم عزوز - عمرو حمزاوى – وغيرهم ) لا تستوى بأخرين من نفس التيار مثل ( حلمى النمنم  - أحمد عبد المعطى حجازى – لميس جابر – وغيرهم) وإلا لطالبنا باقصاء وبتر الاسلاميين لان منهم تيار مدخلى أشبه بالمرجئة قديماً يوالى الظالم ويؤصله لبطشه !
ولذلك ليس غريباً أن يختم المقال بحكم الإسلام في الليبرالية ! ونعتها باتباع الهوى والشيطان وتشجيع الفساد وتضييع الاخلاق وغيره دون أن يُنقل لنا رأى عالم واحد محقق درس الأمر بل مجرد كلام عام خطورته أنه فتوى وليس راى دون الاستناد على الأصول الفقهية للفتوى ونختم هنا بأن جملة ( حكم الإسلام في كذا) توحى ان الاسلام نفسه يحكم وليس الفقيه أو الداعية والذى قد يتغير اجتهاده وفهمه للأمر وهو فهم بشرى فى لا مقدس فى النهاية  وهنا خلط بين الاسلام والشخص قد يصل للتماهى الذى يعتقد فيه الشخص أنه الممثل للإسلام والمحتكر لشريعته ومن خالفه محارب للإسلام ذاته وهنا يحضرنى حينما كنا نقول قديماً ( نحن دعاة وقضاة ) لا أعاد الله هذه الايام والافكار الحالكة السواد مرة أخرى .
الأصول الفكرية لليبرالية المعاصرة  ( باختصار
1-  كمذهب سياسى الدفاع عن حقوق الانسان وحرية الرأى والتعبير وقيم المواطنة  للمخالفين قبل المماثلين والايمان بالتنوع الفكرى والعرقى والدينى كأساس للمجتمع العصرى الحديث كمصدر قوة وتماسك للمجتمع .
2-   كمذهب اقتصادى يهتم بحرية السوق وتركه للعرض والطلب دون ضوابط من الدولة أو نظام الحكم
ومن هنا يجب النظر للعمل السياسى كتنافس لخدمة الجماهير ببرامج تطبيقية تعلى من قيم العدالة  الاجتماعية وتحترم مبادىء الحريات والتنوع ولا يجب النظر للأمر على أنه صراع هوياتى بين قوى الخير وقوى الشر أو تضاد بين الحق والباطل فهذه الرؤية الخشبية هى التى انتجت استيلاء قوى الاستبداد والقمع على مقدرات الثورة فلم تكن يوماً قضية المصرى البسيط تهديد إسلامه أو غلق مساجده فالجميع والحمد لله يعتز بهويته الإسلامية الحضارية ويدافع عنها ولكن مالم ينتبه له الثوار هو تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة التامة والانحياز للكرامة وتوفير لقمة عيش كريمة للمواطن هو لب مطالبه دون شعارات الهوية الطوباوية  البراقة التى تتجه بالصراع السياسى إلى منحى عقدى يزيد من توتير وتعكير التماسك الاجتماعى للشعب .

ببساطه هى الحريه والتعدديه وقبول الاخر. .الليبرالية الحق 

 ___________________________________________________________

وعلى ذات النهج انتقلنا لتعريف العلمانية


 العلمانية ( Secularism ) اصطلاحا " فصل الدين عن السياسة العامة " وعدم إجبار الكل على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية.
وفي تعريف آخر للعلمانية: هي رفض أية سلطات تشريعية أو تنفيذية في الدين تتدخل بحياة الفرد. فالدين في العلمانية ينتهي عندما يخرج الفرد من المسجد أو من الكنيسة.
وهو مطلب مفهوم في المجتمع الغربى نتيجة سيطرة الثيوقراطية الكنسية على مقدرات البلاد في عصور الظلام الاوروبى وتحالف الاستبداد مع رجال الكنيسة حتى صار بهم أن نادوا بشنق أخر ملك بامعاء آخر قسيس والعلمانية كمفهوم نتحفظ عليه ونرفضه تماماً هو درجات وليس درجة واحدة فيمكن تقسميها إلى علمانية جزئية وعلمانية شاملة كما أشار مفكرنا الكبير "عبد الوهاب المسيرى"

1-                                                   العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية- إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية(المعرفية) ومن ثَمَّ لا تتسم بالشُّمُول. وتذهب هذه الرؤية إلى وُجُوب فَصْل الدِّيْن عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بعبارة فَصل الدين عن الدولة، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلتزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما إنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دِينية، أو وُجود "ما ورائِيَّات" و"ميتافيزيقيا"، ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما إنها رؤية محددة للإنسان فهي قد تراه إنسانا طبيعيا ماديًّا في بعض جوانب حياته (رؤية الحياة العامة وحسب) لكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته

                                                  2- العلمانية الشاملة


: وهي رُؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفيّ (كُليّ ونهائيّ) تحاول بكل صرامة تحديد عَلاقة الدين والمطلقات والماورئيات (الميتافيزيقيا) بكل مَجَالات الحياة، وهي رُؤية عَقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحِدِيَّة المادية التي ترى أنَّ مركز الكَوْن كامن فيه غير مُفَارِق أو مُتَجَاوز له (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية) وأنَّ العالَم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة لا قَدَاسَة لها، ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها، ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المُطلقات، أو الثوابت، هذه المادة بحسب هذه الرؤية تشكل كُلا من الإنسان والطبيعة، فهي رؤية واحدية طبيعية مادية وتتفرع عن هذه الرؤية منظومات مَعرفية عدة

وهنا نقفز لحكم الإسلام في العلمانية وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة والذى حكمت به اختنا عليهم دون افتراض الجهل وقلة العلوم الشرعية واستيفاء ركن المراجعة فهل يعتقد أحدهم أن العلمانية بديل للإسلام أو اكمال لنقص الإسلام و- معاذ الله – أم انبهار بالنهضة الصناعية والثقافية الاوروبية لذا يجب التوقف كثيراً قبل التنفتيش عن صدر الناس ومنح صكوك الايمان والكفر لهم فليس غاية دعوتنا الحكم على ايمان الناس بل تغيير سلوكايتهم وتحبيبهم في أسلامهم الحنيف .ولا ينبغى أن يفهم مما كتبت التهوين من أثر العلمانية الراديكالية أو الليبرالية المتحررة الموجودة  في أوروبا وأمريكا وبنسبة أقل في وطننا العربى ولكن الانصاف يقتضى الرفق وعدم التعميم والتريث في الحكم على عقيدة الانسان خصوصا لو أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما مع وجود قصور عقدى نسعى لعلاجه لا لبتره !

( خاتمة )

"الإسلام أكبر من الحركات وأبقى, والحركات هي محاولة بشرية يعتريها الخطأ, وتفتقر إلى التصحيح والاستدراك الدائم,ومحاربة روح التعصب والإصرار والإمعان، وقبول المراجعة، وتعاهد الناس بالتفريق بين التدين بالإسلام الذي هو حق الله على عباده؛ كما في محكمات الكتاب والسنة، وبين رؤية ظرفية اجتهادية, قد يحتشد حولها جمع من الناس فيصيبون ويخطؤون.
د.سلمان بن فهد العوده فى مقاله ( الإسلام والحركات )
أعلى النموذج

وأخيراًُ يمكننا القول أن  العلمانية الايديولوجية أشمل من العلمانية السياسية لأن الأولى تقصي الدين بينما الثانية تحصر دور الدين و هذه الأخيرة أشمل من الليبيرالية لأن الليبيرالية لا تقصي الدين و لا تحصر دور الدين مادام الحريات الأربعة (الفردية, الفكرية, الاقتصادية و السياسية) مكفولة.